بنوا قصوراً من عرق الحجيَّات.. النّور من تحت الخيام إلى صالات الملاهي
(دي برس - تحقيق: بشار دريب )
وثيقة ممهورة بختم النّور، أدرج بموجبها اسم زينب على خانة محمد حمزة مقابل مهر قدره 80 ألف ل.س، والمبلغ السابق وفقاً لأعراف النّور يحظر على هذا الرجل تشغيل زوجته في الملاهي الليلية بصفة (حجّية) والتي يتطلب الزواج منها مهراً يتجاوز الـ400 ألف ل.س، غير أن رغبة الثراء دفعت بمحمد إلى خرق الاتفاق المبرم بينه وبين والد زوجته، فما كان منه إلا أن وضع الأعراف جانباً متجاهلاً الفرق الشاسع بين كلا المهرين، فأجر 3000 ل.س يومياً مقابل (هزة خصر) في أحد الملاهي الليلية بدا مغرياً، حتى ولو نتج عنه خلاف حامي الوطيس، طرفاه الزوج والوالد، حول أحقية الأول في تغيير مجرى حياة زينب بهذه الطريقة، من ربة منزل إلى راقصة دون دفع المبالغ المترتبة على ذلك، والدية كانت تخصيص قسم من الأرباح للطرف الثاني كنوع من التعويض قبل أن تعلن زينب مقاطعة (الكازينوهات) بناءً على رغبة الزوج الذي أكلته نيران الغيرة بعد سنة متواصلة من عمل زوجته في الملاهي، فالمرأة النّورية محكومة بكونها مصدر رزق العائلة، والتي تعتاش بمجملها من عرق الحجية وصولاً إلى الثراء الفاحش.
مزراب يمطر ذهباً
بعكس المألوف اجتماعياً يجد النّور في إنجاب الفتيات فأل خير، فبقدومها تحل الخيرات وخصوصاً أن عائلات عدة كونت ثروات فاحشة كانت النساء هذه المرة هي مفتاح الوصول إليها، لذا لا يتردد حكمت أبو علي بتشبيه النّورية (بمزراب الذهب) الذي يغدق النعم على ملاَّكه مع التأكيد أنه وعشيرته يرفضون عمل نسائهم في (الكازينوهات)، فالنّور على حد قوله ينتمون لعشائر عدَّة، أما العشيرة التي اختارت درب الحجيَّات فتقطن في أحياء فاخرة من مدينة دمشق (التجارة - برزة)، ويروي هذا الرجل الستيني قصصاً وحكايات عن عوائل بنت قصوراً بعد أن نجحت حجيَّاتهم في اصطياد زبائن خليجيين، بعضهم أمراء أغدقوا الملايين مقابل سهرة واحدة مع هذه الحجيَّة أو تلك، وهذا ما يبرر برأيه دفع المهور الغالية عند الزواج بنوريّة كونها ستعود على مشتريْها بربح وفير، مستشهداً برجل من عشيرته خالف أعراف العشيرة وباع ابنته بمليون ونصف المليون ليرة سورية لشدة جمالها.
يقول حكمت: "مهر تلك الفتاة كان مقابل الحصول على موافقة والدها بالعمل كحجيَّة، وهكذا انتقلت إلى عهدة زوج تنتظره أموال لا تأكلها النيران".
وبناءً على ما سبق، يحرص النَّور على إتقان المرأة فنون الرقص، حيث تتولى الأم وبحسب فراس حمزة تلقين ابنتها أصول المهنة، وبمجرد أن تبلغ الثانية عشرة من عمرها وهو السن المقرر لدخول الفتاة عالم الملاهي ممتلكةً من الخبرات، ما يكفي للإيقاع بزبون دسم لا يتوانى عن رمي الملايين تحت قدميها.
يداً بيد إلى الملهى
ويرافق الحجيَّة في رحلة السفر والدها أو زوجها في حال كانت على عصمة رجل، بعد اتفاق شفوي مع صاحب الملهى يحدد فيه الأجر، مسبوقاً باختبار لقدرة هذه الحجية على جذب الزبائن، فأبو خالد (مالك ملهى) يحرص أن تكون معظم فتياته نوريّات كونه خبر وبعد تجربة طويلة قدرتهن على جعل ملهاه يعج بالزوار "أدفع للواحدة منهن 3 آلاف ل.س مقابل سهرة واحدة، لأنني أعرف مسبقاً أن كل قرش دفعته سأسترده مضاعفاً ولمرات عدة، أما الأجر فأسلمه لمن أتفاوض معه بالنيابة عن النوريّة وهو أحد ذكور العائلة".
وبالفعل يصحب جمال ملحم ابنتيه إلى ملهى في تل منين من الساعة الثانية عشر ليلاً وحتى طلوع الفجر، في حين أعاق تقدم السن زوجته عن متابعة الرقص في الملهى ذاته، ولا يجد جمال حرجاً فيما يقوله فهذا (كار) النّور أباً عن جد ولن يغير هو ما كرسته الأعراف والتقاليد.
صابونة لزحلقة الزبون
وتجد الحجية في الزبون "خاروفاً دسماً" كما تصفه إحداهن، لا بد من تشفية دهونه حتى العظم، والحصول على أكبر قدر ممكن من المكاسب مستخدمة لذلك أساليب احتيالية عدة يتخللها محاولات (لزحلقة الزبون) ودعوته لسهرة خاصة في بيت النّورية، فشوق ابنة الثانية عشر عاماً لها من المعجبين ما يكفي، يرتادون الملهى من أجل رؤيتها فقط "هناك رجال يأتون من دول الخليج لقضاء سهرة معها، وبقدومهم يأتي الفرج، أما أنا فأحرص على تدليلهم، فالنّورية مرغوبة أكثر من غيرها».
والشعبية التي حققتها هذه المرأة بعد أربع سنوات من العمل كانت مثار غيرة زميلاتها - على حد قولها - وخصوصاً أن الزبائن يعبرون عن إعجابهم برش الأموال في المكان الذي تتواجد فيه. واليوم تستعد شوق برفقة أختها الصغرى، للسفر إلى دولة الإمارات والعمل لمدة شهرين في أحد (الملاهي) مقابل 500 ألف ل.س أسوة بباقي النّوريات اللواتي سبقنها للعمل في بلد الغنائم.
بالمقلوب
يحاول فراس حمزة جاهداً إخفاء ارتياده للملاهي برفقة شباب آخرين، فالنّور يجدون في ذلك أمراً معيباً بينما لا يخلو ملهى من الحجيَّات وبموافقة عوائلهن، أمر يدعو إلى الدهشة ولكنه عالم النّور الذي أوجد لنفسه عادات وأعرافاً، المرأة فيها هي المعيل، فانقلبت الأدوار هناك على منصة الملاهي الليلية.
دي برس
0 التعليقات:
إرسال تعليق