أهملتها الوزارة فاستحلها الناس.. آثار اليادودة تحفٌ أكلتها البيوت وغمرتها القمامة
(دي برس – بشار دريب)
لم يكن يادوديت الحاكم باسم الإمبراطور الروماني في جنوب سورية يعلم أن ما سيخلفه من آثار سيأتي عليها زمان أغبر تصبح فيه متناثرة بين طرقات قرية (اليادودة) التي أخذت تسميتها منه ونسيت أن تحفظ الود، وتصون ما ائتُمنت عليه من آثار، كما يقول أحمد أحد أبناء هذه القرية الواقعة إلى الغرب من محافظة درعا، وهي التي أدهشت الرحالة الألماني شوخر، فوثقها من حيث السكان والآثار في كتابه (رحلة عبر الأردن)، عندما زار المنطقة عام 1886. ولعل دهشة هذا الكاتب تنتابنا، وإنما باختلاف المسببات، فما رصدته عيناه من أعمدة وتيجان وأواني فخارية، اتخذت اليوم من الهواء الطلق متحفاً لها، ليستغرب المرء عند مروره بهذه القرية بكم الآثار المتناثرة هنا وهناك، فلا أبناؤها يعرفون قيمتها، ولا المؤسسات الحكومية التي يفترض أنها وجدت لرعايتها أحسنت ذلك، أو حتى أساءها ركن تلك التحف في طرقات القرية وأمام منازلها وحتى في ورشات تصليح الإطارات.
استهتارٌ يأبى إلا أن يذهلك تماماً كحجم الجهل المنتشر بقيمة تلك الآثار، فأبو حسن هواشي -مالك محل لبيع اللحوم - لا يعرف أن العمود الذي اتخذه مذبحاً لخرافه يعود إلى ألفي عام، كما أن المصطبة الموجودة أمام محله والتي يجلس عليها كل من هب ودب من أهالي القرية هي في الأصل ران (تابوت) أثري، على حين وجدت أم جميل فيما اختزنه منزلها من تيجان مكاناً ملائماً للجلي ومشبك حر للأواني النظيفة، أما العمود الأثري الذي توسط أحد غرف المنزل المتعدي على حرمة الآثار، فكانت مهمته مختلفة هذه المرة، إذ يقوم أبناؤها الصغار باللعب فوقه وإخراج ما بدواخلهم من مواهب الرسم والنحت على جسده الأثري... كل هذا الخراب ومديرية الآثار، أثرت دور المتفرج من بعيد لتشهد يومياً تخريب ما يعود عمره لسنين غارقة في القدم.
البساط ومد الأرجل
قلة هي البيوت التي لا تحتوي على آثار رومانية وبيزنطية في هذه القرية، لكن ولأسباب غير مقنعة من وجهة نظر حسين مشهداني (مدير الآثار بدرعا) لم تتبنى المديرية إلا القليل من التحف، على اعتبار أن الاعتراف بوجود الآثار بقي في خانة المشاهدة دون الاقتران بأية خطوات عملية يجدها محمد نصير عوض -معاون التنقيب في مديرية الآثار والمتاحف- مقتصرة على الآثار الأكثر حظاً والتي وجدت مكاناً في المتاحف يبعداً عن كابوس التشرد، على حين بقيت شقيقاتها متناثرة تحت رحمة العوامل الجوية والأيدي العابثة، وهنا يلقي عوض اللائمة على ضيق المتاحف والتي تعجز بالمساحة الحالية عن احتضان كل الآثار دفعة واحدة، خوصاً أن الآثار المتناثرة ليست حكراً على محافظة درعا، حيث تشاركها محافظات عدة هذا الامتياز على حد قوله "درعا من المحافظات الغنية بالقطع الأثرية ومن الطبيعي أن توجد هذه الآثار في الشوارع، وبعلم من المديرية التي تعرض في المتاحف (عينات) فقط". وكما أدارت المديرية وجهها عن تلك الآثار كذلك أعمال التنقيب، ليبقى إخراج الكنوز الدفينة محض مصادفة، تماماً كما حدث منذ أربع سنوات حيث اكتشفت مدافن رومانية في القرية عن طريق (باجر) كان يحفر في المنطقة وليس بفعل البُعث الأثرية والتي لم تطأ قدمها محافظة درعا حتى اللحظة، فيما قامت مديرية الآثار في هذه المحافظة بمحاولتين يائستين لجمع الآثار المتناثرة عند افتتاح متحفها وبإمكانيات متواضعة، ما استدعى تدخلاً مباشراً من قبل الآليات التابعة لمديرية الكهرباء والري، والحادثة السابقة رغم حراجتها فشلت في حث المديرية على زيادة المبالغ المرصودة لمطمورة التنقيب، والتي خصتها المديرية العامة بدمشق بـ600 ألف ليرة سورية بعد مطالبات عدة من آثار درعا بمليون وأربع مئة ألف ليرة سورية للتنقيب في ثماني أمكنة، ليتقن الطرف الثاني كيفية مد الأرجل تبعاً لمساحة البساط، والعمل بالتالي وفقاً للإمكانيات المتاحة (الكلام هنا لمشهدي) الذي يشتكي من ميزانية عانت من التقشف وشد الأحزمة. ولا تبدو آلية عمل البلديات أفضل حالاً بعد أن أهملت نظافة المناطق الأثرية وكاتبت المديرية بهذا الخصوص، لتغدو التحف معلماً أثرياً منكّهاً برائحة القمامة، وأمام ما سبق يبرئ أسامة الزعبي رئيس بلدية اليادودة ساحته، محملاً الآثار مسؤولية الخراب السائد بقوله: "نناشد مديرية الآثار بدرعا أن تولي المنطقة المزيد من الاهتمام لما تحتضنه من معالم تاريخية قديمة تدل على العراقة والأصالة".
التشرد فوق الخراب...
خراب وآثار اليادودة المشردة، تواجه اليوم خطر إبادة جماعية، إثر حملة شنتها أبنية حديثة وجدت في المدينة القديمة أرضاً لها مدعمةً بقانونٍ لا يمنع بناءً ينتهك قداسة آثار البلدة بحسب الزعبي، أما خط الممنوع فيشمل ما استملكته مديرية الآثار والتي لم تضع يدها على أي من بيوت هذه المدينة القديمة، ما ترك باب الترخيص للبناء على مصراعيه، غير أن يوسف الحمد -نائب المدير العام لمديرية الآثار بدمشق- ينفي إمكانية إعطاء هذه الرخص في حال اعترفت المديرية بوجود آثار في المنطقة، ما يقدم تبريراً منطقياً لما يحدث في قرية اليادودة التي ما زالت آثارها حتى اللحظة مكتومة القيد لم يرد ذكرها في أي من السجلات الرسمية. وأمام انعدام الاستملاك، تستباح الآثار من قبل كتل إسمنتية طارئة، يعتقد أيهم الزعبي مدير المتاحف في محافظة درعا أنها ما كانت لتولد لو أن الميزانية المرصودة تخول المديرية استملاك المنازل الأثرية يقول "خفضت ميزانيتنا إلى النصف، وهناك المئات من المنازل في درعا يجب استملاكها في القريب العاجل". وكمن يدور في حلقة مفرغة يتم الحديث في كل مرة عن ميزانية أخضعت "لريجيم" قاسٍ، كانت السبب وراء إيقاف مشروع لجمع الآثار من أرجاء المحافظة طُرِحَ العام الماضي من قبل مديرية آثار درعا مع عدم وجود تباشير بتنفيذ قريب بعد أن خصت موازنة العام المقبل الآثار بـ265 مليوناً فقط، علماً بأن المديرية طالبت بمليار وأربعمئة مليون وفقاً ليوسف الحمد نائب المدير العام لمديرية الآثار بدمشق. وبين لعنة الاعتمادات المالية وعدم الاكتراث ترقد آثار يادودة، بجوار كتل تنتمي لجيل البناء الحديث والذي أظهر ساكنوه براعة في انتهاك قيم أثرية تنكرت لها مديرية الآثار فغدت بلا ظهر يحميها ويصون عراقتها.
دي برس
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق