وزارة الإسكان شردت الآلاف.. وأساتذة الجامعة في قائمة الضحايا
(دي برس - تحقيق: بشار دريب )
التنقل من منزلٍ لآخر تارة والتشرّد تارة أخرى، هذا ما جنته وزارة الإسكان والمرافق على أكثر من مئتين وأربعين أستاذاً جامعياً أجبرتهم الأقدار إلى اللجوء لمؤسسة الإسكان التي أمعنت في زيادة جراحهم وآثرت إلا أن تشردهم وأسرهم بانتظار عفوها وكرمها الحاتمي.خمسة أعوام مرّت وما يزال مصير الدكتور (يوسف مسلماني) وهو الباحث في هيئة الطاقة الذرية ومدير مشروع إعداد البلاغ الوطني الأول للتغيرات المناخية، والعديد من زملائه ممن يُسمّونَ في أعرافنا بـ(عليّة القوم) مجهولاً، فلا الحكومة النائمة أنصفتهم ولا شهاداتهم العلمية النادرة شفعت لهم، وتركوا وحدهم يجابهون مؤسسة الإسكان بجبروتها فلا حول لهم ولا قوة إلا انتظار ما تجود به عليهم. الهيئة العامة للطاقة الذرية، وكما يقول الدكتور يوسف قدمت لأساتذتها منازل بالإيجار لمدة 10 سنوات على اعتبار أنّ المؤسسة العامة للإسكان ستنتهي من أعمالها في المدّة المقررة: (انتهى عرض الهيئة منذ خمس سنوات ومنذ ذلك الحين وأنا أحمل متاعي وأولادي باحثاً عن بيت علِّي أحظى بواحد مناسب لا تزيد أجرته عن 30 ألف ليرة سورية شهرياًً).
رضينا بالبين...
عام 2000 حمل في ثناياه بشرى سارة لأكثر من 240 أستاذاً جامعياً وباحثاً في هيئة الطاقة الذرية، عندما تقرر تخصيصهم بخمسة أبراج مع استثنائهم من الدور في المؤسسة العامة للإسكان، وتقرر حينها تسليمهم المنازل في عام 2005، لكن وللأسف لم تخرج هذه الوعود عن الورق الذي كتبت عليه، فالمكتتبون وقَّعوا العقود عام 2000 ولم تتحرك المؤسسة بالتنفيذ حتى أبرم العقد رقم 1/24/5 تاريخ 2/1/2002 مع الشركة العامة للبناء والتعمير لإنشاء وإكساء البرجين رقم (14 - 16) ويضمان 96 شقة سكنية، ثم أبرم العقد الثاني الذي حمل رقم 28/24/5 تاريخ 22/5/2002 مع الشركة لإنشاء وإكساء الأبراج ذوات الأرقام (20 - 21 - 22) حيث تضم هذه الأبراج 144 شقة سكنية، وكان من المقرر تسليم هذه الشقق منذ عام 2005، لكن ولأسباب قد تكون مجهولة لم يتم الالتزام بمدّة العقد، لتمنح مأساة أساتذة الجامعة صلاحية جديدة لم تنتهِ حتى اللحظة.من جديد بشارة خير أخرى حملها العام 2008 عندما وعد وزير الإسكان في زيارة لأرض المشروع بأن تسلم هذه الشقق إلى أصحابها في العام ذاته، وهذا ما حصل بالفعل، ولكن التسليم لم يشمل سوى برجين فقط، وحتى هذين البرجين لم يتم بناؤهما بشكل لائق، فلا حدائق ولا مواقف للسيارات ولا خدمات ولا حتى مصاعد، مع أنّ الأبراج تتكون من اثنتي عشرة طبقة. أما الجهة المنفذة؛ وهي الشركة العامة للبناء والتعمير وبلسان المدير التنفيذي للمشروع المهندس (جمال القادري) تنصلت من أي مسؤولية يمكن أن تقع على عاتقها، حيث يؤكد أنّ التأخير من المؤسسة العامة للإسكان فحتى تحريك حجر من مكانه يحتاج لموافقة ومن ثم مناقصة وهذا ما استغرق وقتاً طويلاً وكان أحد أسباب التأخير. وفي ذات السياق؛ يؤكد المهندس المشرف على المشروع (محمد طحان) أنّ تسلسل العمل يعيق تسريعه، إضافة إلى البيروقراطية التي تشلّ أوصال مؤسسة الإسكان يشير الطحان إلى أسباب أخرى أدّت إلى تأخر تسليم الأبراج: (تأخرنا بتنفيذ الواجهات الخارجية للأبنية لأن قلة من العمال يرضون بالعمل على الارتفاعات الشاهقة)، وذلك على الرغم من الاستعانة بورشات خارجية، إضافة لورشات المؤسسة من طيانين وبلاطين ونجاري ألمينيوم للإسراع بتنفيذ المشروع.
رخيص ومبهدل
بعد التأخير الكبير في تسليم هذه الشقق إلى أصحابها، خرج مفكرو مؤسسة الإسكان بفكرة أقل ما يقال عنها (جهنميّة) فبين ليلة وضحاها ارتفعت أسعار الشقق إلى أكثر من الثلثين كما يؤكد الدكتور (يوسف مسلماني) والدكتور(علي حينون) حيث يقول مسلماني: (مع ارتفاع الأسعار في العالم تمّ رفع أسعار المساكن ولكنها انخفضت الآن فلماذا لم تعد الأسعار إلى سابق عهدها؟!). المؤسسة المتهمة تؤكد أنها لم تعلن سابقاً عن قيمة الشقة في مساكن أساتذة الجامعة بالشاغور وأنها تبيع المساكن بسعر الكلفة الفعلية المصروفة عليها مضافاً إليها نفقات إدارة بواقع 5% وأرباح بنسبة 10% وذلك وفق الأنظمة والقوانين النافذة، ثم تعود لتقول: (لا علاقة لارتفاع الأسعار العالمية بأسعار الشقق إذ إن أسعار الشقق تحدد وفقاً للكلفة الفعلية المصروفة عليها وتطبق فقط زيادات أسعار المواد واليد العاملة الصادرة عن الجهات الرسمية ورئاسة مجلس الوزراء). كما تباهي المؤسسة بأن أسعارها تعتبر الأرخص عمّا يجاورها من مساكن بأربعة أضعاف، متناسية أنّ ما تنفذه من مساكن تعتبر الأسوأ والأكثر رداءة بالمقارنة مع المباني التي يبنيها القطاع الخاص ليس فقط في هذه الأبراج ولكن بشكل عام، وما تزال فضيحة مباني السكن الشبابي التي كشفها (دي برس) ماثلة أمام أعين الجميع، الأمر الذي أصبح يؤرق مضجع كلَّ مكتتب في هذه المؤسسة، ليؤكد الدكتور (علي حينون) أنّ الكثير من أصحاب هذه المساكن وبعد أنّ ملّوا الانتظار، وباتت مخاوف سوء التنفيذ ورداءة الإكساء لا تفارقهم، قرروا أنّ يبيعوا منازلهم وينجوا بجلدهم.
دراسات مهترئة
مع أننا أصبحنا في القرن الحادي والعشرين، كما يقول الدكتور المسلماني وهو المتخصص في بحوث الهواء والتنمية المستدامة في عام 2009 لا تزال المؤسسة تتعامل بعقلية القرون الوسطى، وبمخططات بالية رسمت قبل أكثر من خمسين عاماًً وبيد واحدة ما يفسر الشكل الموحد لأبراج دمشق القديمة منها والحديثة والتي غالباً ما تفتقر لوجود مواقف للسيارات. على حين برَّأت المؤسسة ذمتها بترك مساحة صغيرة لا تتسع لأكثر من أربع وعشرين سيارة أمام كل برج كمواقف لهذه الأبنية البالغ عددها أكثر من مئتين وأربعين شقة سكنية جميعها مخصصة لأساتذة الجامعة، والمتوقع أنّ يتبع لكل برج خمسين سيارة على الأقل، غير أنّ المهندس المشرف على المشروع (محمد طحان) يؤكد أنّه ورغم اقتصاص مساحات كبيرة من مخصصات الحدائق لتكون مواقف للسيارات إلا أنها لا تكفي.يبدو أن (الإسكان) رفعت شعار التقنين في مشروعاتها كافة، حتى باتت تستغرب الحديث عن قلة المياه المخصصة لإرواء الحدائق المحيطة بالأبنية، غير أنّ المهندسين المشرفين على المشروع أكدوا أنّ نقص المياه يعد إحدى أكبر المشاكل لإتمام عقد الزراعة، حيث إنّها بالكاد تكفي الأبنية وساكنيها. ورغم كل هذا وذاك تستمر المؤسسة بالمراوغة، فتؤكد أنها نفذت الحدائق في المرحلة الأولى من المشروع وسلمت لمحافظة مدينة دمشق لمتابعة الصيانة ويتم إرواء هذه الحدائق من بئر في الحديقة المركزية وهو كافٍ لتخديم الحدائق المنفذة وما هو قيد التنفيذ؛ حيث سيتم ربط الحدائق الجديدة بشبكة سقاية مع الشبكة القديمة، الأمر الذي يخالفه المهندس جمال القادري بقوله (حتى الآن لم يتم تنفيذ عقد الزراعة ولم يتم التعاقد على إنشاء الحدائق). صيت سيء... هذا ما جنته مؤسسة الإسكان بعد تعثر المشاريع المنفذة من قبلها ففقدت ثقة المكتتبين في سبيل مكاسب أدفأت جيوب البعض.
دي برس
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق