خارطة الطريق السورية...أهدت الحجر الأسود القمامة وهجّرت سكانه
(تحقيق: بشار دريب )
وكأن المخطط التنظيمي يحاول الاقتصاص من مدينة الحجر الأسود، حيث لم تجد محافظة دمشق ممثلة بمسؤوليها سوى هذه المنطقة البائسة لتصدِّر لها من المشاكل ما لا تطيق احتماله، في البداية حلت لعنة التنظيم على أكثر من 155 منزل وقع اختيار المحافظة على ساكنيها ليشردهم المخطط، وهو الموضوع منذ عام 1968، ومرة ثانية تفتقت أذهان المخططين وأخرجت من مكامنها فكرة أقل ما توصف بأنها جهنمية، وذلك بنقل محطة نفايات الإحدى عشرية الموجودة في باب شرقي وزرعها في الحجر الأسود بين الأبنية السكنية التي لطالما خنق التلوث أنفاس قاطنيها. أما اليوم فيترحّم هؤلاء على أيام السكن المخالف والتلوث، بعد أن حل بهم هماً جديداً بالكاد وجد لنفسه مكاناً في صدورهم المثقلة أصلاً بالهموم.
عنزة ولو طارت
المخطط المهترئ، والمرسوم بأقلام يعود عمرها لـ40 عاماً، أعلن فتح شارع يربط مدينة الحجر الأسود بشارع الـ30 في ذات المنطقة، جارفاً بشفرات البلدوزر أحلام وذكريات 100 عائلة آمنة، وفقاً لرئيس البلدية (حسن الغانم) الذي أكد إمكانية إبقاء تلك الأحلام على قيد الحياة، بمجرد تعديل مسار الطريق ليمر في أرض مجاورة خالية، والتي تعود ملكيتها إلى محافظة دمشق، غير أن الأخيرة رفضت التفريط بشبر من أملاكها (الخاصة) بحجة أن الحجر الأسود يتبع إدارياً لريف دمشق، مصدرة بذلك حكماً بالإعدام بحق آمال وطموحات تلك العائلات الفقيرة، والتي لم يعد ينقص ترسيم الحدود ما بينها وبين محافظة دمشق (المستقلة)، سوى الأسلاك الشائكة ليعرف كل حده، بحسب تعبير (الغانم).
وكما أعلن المخطط ولادة طريق جديد على أنقاض المساكن أشعل فتيل المنازعات بين المحافظة كطرف، ورئاسة مجلس الوزراء التي قدمت دراسة لتغيير مسار الطريق وفقاً للمهندس (حسان الحاج) معاون مدير التخطيط في المحافظة، داعمة بذلك وزارة الإدارة المحلية المطالبة بذات الغرض على لسان الوزير شخصياً، بعد اجتماعات مكثفة مع رئاسة البلدية. غير أن مدير التخطيط العمراني في محافظة دمشق المهندس (عبد الفتاح أياسو) اعتبر أن هذه التوصيات بمثابة تدخّل في غير مكانه (من الذي يقرر، الوزير أم الدراسة الفنية، وإذا ما وافق على تعديل المسار فلينفذه بنفسه، وهل الحجر الأسود رهن دمشق أو أن دمشق رهن الحجر الأسود؟).
لتتلو المنازعات مراسلات مكثفة بين المحافظة ورئيس البلدية عبر كتب ممهورة بتواقيع الأهالي، بقيت مجرد مطالب عصية على التحقق، فهل سيسمع من أصم آذانه عن توصيات وزير ذو صولة وجولة، صوت مواطن لا يمتلك من النفوذ أكثر من اعتراض يدونه على ورقة ترمى في الأدراج لاحقاً (والكلام هنا لرئيس البلدية).؟ وبين زحمة المنازعات، يتساءل القاطنون وبحيرة عن الذنب الذي اقترفوه، لتصبّ المحافظة جام حقدها عليهم، يقول خالد هلال -وهو أحد سكان المنازل المهددة بالإزالة-: (ولدت هنا، وأنتظر مولوداً في ذات المكان، وشيطان الهدم لن يطال المنازل وحسب، إنما سيبتلع الذكريات أيضاً). أما الحاجة أم حسن، والتي لا تعرف أساساً ما الذي تعنيه كلمة مخطط، تتهم المحافظة باختلاق الذرائع لانتزاعها وباقي السكان من الأرض التي ولدوا وعاشوا فيها. وفي نهاية المطاف؛ يبدو أن أكثر من مئة منزل ستزال عن بكرة أبيها، وبقرار حاسم من محافظة دمشق كما يؤكد (حسان الحاج) أن لا أمل بتعديل مسار الطريق رغم كل المقترحات المقدمة ولأكثر من مرة، والسبب مجدداً (القانون لا يسمح)، لتجفل دمعة في أعين السكان متسائلة عن ماهية القانون الذي يبيد أحلامهم، غير أن التطمينات بتأمين مساكن بديلة لم تجد لديهم صدىً حالهم في ذلك حال آلاف المشردين اللذين لم تأوهم وعود المحافظة التي لم تمطر حتى الآن.
ريف دمشق... يا غافل إلك الله
ولعل ضجة المشادات لم تبلغ مسامع محافظة ريف دمشق والتي آثرت الحياد، وكأن لا ناقة لها في هذا النزاع ولا جمل، حيث يؤكد الدكتور (شاكر التونسي) معاون محافظ ريف دمشق أحقية محافظة دمشق في إزالة هذه المنازل التي بنيت على أرض مستملكة وقبل أن تؤهل بالسكان.
وما كانت الصورة المأساوية لتكتمل في مدينة الحجر الأسود بغير مقلب للقمامة سيتم نقله من باب شرقي ليجثم إلى الغرب من مدينة الحجر الأسود، التي احتفلت مؤخراً بتوديع مكب النفايات الخاص بها والمنقول إلى خارج المدينة بتوصية من لجنة البيئة التابعة لوزارة الإدارة المحلية لما يسببه من أذى بيئي وصحي، لتفاجأ بنقل محطة تجميع قمامة دمشق بأكملها إليها بحجة أن الإحدى عشرية الموجودة في باب شرقي ضاقت بقمامتها، فضلاً عن قربها من المساجد والكنائس، وهو ما تعتبره رئيسة دائرة إدارة النفايات الصلبة بوزارة الإدارة المحلية رولا أبازيد سبب وجيه لاتخاذ قرار النقل، مع التأكيد بأن النفايات في محطة الحجر الأسود لن تلامس الأرض أو الوسط الخارجي (ستفرغ السيارات في حاويات كبيرة وعند امتلائها سترحل إلى المكب النهائي)، وهذا ما أكده مدير بيئة ريف دمشق (ثائر ضيف) بقوله: إن المحطة عبارة عن غرفة لتجمع القمامة وحسب، وكأن القمامة ستمر من الحجر الأسود مرور الكرام، ودون إقامة جبرية قد تستمر لأجل غير مسمى.
التوجس ذاته، دفع رئيس البلدية (حسن الغانم) لتسطير شكاوى عدة إلى محافظة ريف دمشق حاول من خلالها شرح الضرر الذي سيلحقه هذا الابتكار الجديد ببيئة الحجر الأسود وسكانه، لتواجه هذه الكتب قدراً مشابه لما لقيته سابقاتها من الاعتراضات، وفقاً لشاكر التونسي، (الأرض ملك للمحافظة وتحت أمرتها...). على حين سكنت (أحمد البستنجي) أحد السكان الذين ستنقل القمامة إلى جوارهم مخاوف جديدة تتمثل بأن المدينة بمجملها ستكون عرضة للأمراض والأوبئة كون اتجاه الرياح في الحجر الأسود غرباً.
وبعدُ.. ما الذي ينتظره 400 ألف مواطن، أضحى مصيرهم معلقاً بقرارات يخطها مسؤولون لم يفكروا ولو لثوان قليلة بطمأنينة أناس استفاقوا على وقع قرار ترحيل البعض منهم، وخنق البقية بقمامة الغير، وكأن التبادل بين دمشق وريفها محصور بالقمامة فقط ولا يطال الأراضي حتى ولو كان في ذلك إنقاذ للآمنين من التهجير.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق