خمسة عشر عاماًً مرّت وما تزال أم سمير تبكي ابنتها الصغيرة (رنا) التي لقيت مصرعها تحت عجلات جرار زراعي هوى من أعلى جسر المعضمية فما أبقى سوى لعبتها التي ما تزال حتى اليوم شاهداً على تلك الحادثة. رنا ليست الضحية الوحيدة التي قضت تحت هذا الجسر الذي بات يعرف بـ(جسر الموت) وأبى إلا أن يخلِّف وراءه مئات الضحايا ممن تصادف وجودهم مع مرور شاحنات أو جرارات زراعية تجوبه يومياً وبكثافة غير آبهة بمخاطره المميتة.
وبمكان ليس ببعيد عن الجسر لا بل تحته مباشرةً تقبع مدرسة (معضمية الشام) الأولى المختلطة تنتظر برعب وخوف ما قد يرميه لها الجسر من شاحنات أو جرارات أو حتى من جثث محترقة، حيث تقول مديرة المدرسة: (الجسر يسبب الرعب للجميع من طلاب ومعلمات ولا بد من إزالته حتى تزول معه هذه المعاناة، فمع مرور أي شاحنة أو جرار ينتابنا رعب وصمت مطبق ويلازمنا لحين مرورها خوفاً من سقوطها، وقد حصل هذا الأمر عندما انقلب جرار زراعي من أعلى الجسر متخذاً من المدرسة مستقراً له، غير أنّ حماية اللـه حالت دون وقوع ضحايا من الطلاب، فالعطلة المدرسية أوقفت كارثة كانت لتخلف وراءها المئات من الضحايا).
الكل شركاء في الجريمة
الجسر الذي يطلُّ على مدرسة (معضمية الشام) من جهة وعلى العديد من البيوتات السكنية من جهة أخرى، أنشئ عام 1967 وبني حينها لمنع التقاطعات السككية على مستوى واحد، لكن وحسب المدير العام للمؤسسة العامة للخط الحديدي الحجازي المهندس (محمود سقباني): (إنّ المخططات العمرانية و(جشع السكان) دفعهم للهجوم على الجسر حتى آخر سنتيمتر دون مراعاة لأي مخاطر مستقبلية، كما أنّ البلديات المتوالية لم تراع مخاطر الجسر على السكان وغضت البصر عن إنشاء تلك الأبنية على أطرافه، فالجسر موجود هنا قبل أكثر من 32 عاماً وقبل وجود أي بناء يجاوره وكان أولى من السكان ترك مسافة أمان بينهم وبين الجسر الموقوت، فكيف هو الحال إذاً بمدرسة بنيت منذ أكثر من خمسة عشر عاماًً في مكان لطالما هدد أرواح طلابها!).
وعلى عكس كل الجسور الموجودة في سورية، حاز جسر المعضمية وبجدارة على شرف مئات اللجان (الفاشلة) التي شكلت بغرض إنهائه ودفنه أو على الأقل التخفيف من ضرره، غير أنّ جميعها وقفت عاجزة عن تغيير الواقع المتمثل برفض المديرية العامة للسكك الحديدة إزالته بحجّة عدم توفر الاعتمادات النقدية الكافية لتنفيذ هذا المشروع، مما دفع بمجلس مدينة المعضمية إلى البحث عن حل وبشتى الطرق، حيث يقول رئيس مجلس المدينة المهندس حسن أبو زيد: (طالب مجلس المدينة بإزالة الجسر على نفقة لجنة العمل الشعبي، مع الحفاظ على سكة القطار دون تأذيها، وعندما تقرر وزارة النقل بناء جسر آخر مطابق للمواصفات الفنية، نحن مستعدون للتعاون بشكل كامل لأن هذا يصب في مصلحة المدينة).
تحت الجسر
وفي معادلة جسر المعضمية انقلبت المقاييس فاستصدار قرار إزالته بات أصعب بألف مرة من توجيه آليات الهدم إليه، وحسب تعبير معاون محافظ ريف دمشق (شاكر التونسي) لا نستطيع إزالة الجسر كون الأمر متعلق بالمؤسسة العامة للخط الحديدي الحجازي، والموضوع وقف عند وزير النقل وبدورنا وضعناه في صورة الموضوع وخطورة الجسر على السكان).
وشاركه هذا الرأي مدير المؤسسة (محمود سقباني) معتبراً إزالة الجسر أمراً تخريبياً: (لا يوجد أسهل من التخريب الكل يستطيع القول أزل هذا البناء، ولكن تبين أنه لا يمكن إزالة الجسر على النحو الذي طرحته المحافظة والبلدية) غير أنّ السقباني رفض ما ذهب إليه التونسي من أنّ قضيّة الجسر متوقفة في وزارة النقل: (طلبت من المحافظ أن يزيل الجسر على مسؤوليته ويوجه كتاب للمؤسسة العامة للخط الحديدي الحجازي بهذا الخصوص ولكنه لا يجرؤ، ولا أحد يستطيع أن يفعل هذا الأمر وإذا كانت المحافظة تريد العمل بالفعل فلتفعّل اللجان المتوقفة أولاً).
إزالة الجسر على نفقة مجلس المدينة حظيت بموافقة محافظة ريف دمشق وذلك في كتابها الذي أُرسل لوزارة الإدارة المحلية والبيئة برقم (1976/1.م/7)، كما حظي بمباركة وزارة الإدارة المحلية والبيئة التي أرسلت كتاباً إلى وزارة النقل برقم (4386/ص/ف/1) معلمة إيّاها بعدم وجود أي مانع من إزالة الجسر على نفقة مجلس المدينة، الأمر الذي دفع وزارة النقل ومن خلال كتابها الموجه إلى المؤسسة العامة للخط الحديدي الحجازي الذي حمل رقم (2962/د37) لطلب الإجراءات اللازمة بالتنسيق مع محافظة دمشق.
هذا التنسيق وكما عبر (شاكر التونسي) تمخض عن عدّة اجتماعات جمع آخرها كلاً من وزير النقل ومحافظ ريف دمشق والمعنيين من البلديات ومدير المواصلات الطرقية، وتم خلاله عرض هذا الموضوع بشكل تفصيلي ولكن الغريب في الموضوع أن القرار المناسب لم يتخذ حينها، ما دفع وزارة النقل لتسطير كتاب إلى المؤسسة العامة للخط الحديدي الحجازي برقم (6547/4) أرفق بكتاب محافظة دمشق الصادر في 26 / 6/ 2008 برقم /2126/ ونصّ على ضرورة (اتخاذ الإجراءات التي تكفل السلامة المرورية في موقع الجسر).
وما إن صدر هذا الكتاب حتى شكلت لجّنة في مكتب وزير النقل حضرها كل من محافظ ريف دمشق ومدير عام المواصلات الطرقية ورئيس بلدية المعضمية وتمّ خلالها كما يقول سقباني بحث الحلول كافة واختيار أنجعها، غير أنّ إزالة الجسر ليست واردة، وإذا كان أهل المعضمية يريدون إزالته على نفقتهم الخاصة فليبنوا بديلاً عنه، فالأمر ليس مجرد ترحيل أنقاض والوزارة غير قادرة حالياً على بناء جسر مطابق للمواصفات بتكلفة ستتجاوز المئتين وخمسين مليون ليرة سورية!
ومنذ أن فقد الجسر صلاحيته قبل خمسة عشر عاماًً -وبعد كل ما لقيه أهالي المنطقة من رعب في حضرته وما حرر من مراسلات وما شكل من لجان- وقف المسؤولون عاجزين عن إيجاد حلٍ لهذا الجسر، وبقي وحده شاهداً على حصد المزيد من الأرواح، فلا المحافظة أوعزت بإزالته ولا وزارة النقل متمثلةً بالمؤسسة العامة للخط الحديدي الحجازي تنازلت عنه.
دي برس - http://www.dp-news.com/Pages/detail.aspx?l=1&articleId=3546
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق