قوانين منتهية الصلاحية تحكمهم.. معقبو المعاملات لصوص في وضح النهار
(دي برس - تحقيق: بشار دريب )
التحايل على القانون كان السبيل الوحيد أمام (فادي.أ) و(سميرة. ر) لتثبيت زواجهما، وليس أفضل من معقبي المعاملات ليقوموا بهذه المهمة وهم الذين خبروا كل الطرق الممكنة وغير الممكنة للاحتيال والتزوير والغش لينالوا مرادهم في نهاية المطاف. فبعد أن قرر(فادي وسميرة) الزواج كان قانون الأحوال الشخصية العقبة الأخيرة أمامهما، كون سميرة ما تزال بكراً، ومَنْ غَيْرُ معقب المعاملات يستطيع القفز فوق القانون، حيث رأى فيهما فريسة سهلة المنال، وهما وجدا فيه المخلص الوحيد للعقبة التي تقف بوجه زواجهما.وفعلاً استطاع الرجل المخلّص إتمام هذا الزواج دون أي عناء أو تكلفة إضافية، غير أنّ ثمن الفكرة التي استطاع من خلالها الالتفاف على القانون كانت دسمة للغاية وكلفت العريسين أكثر من 25 ألف ليرة. جميعنا وبعد محاولات فاشلة مع الموظفين لإنهاء أي معاملة، نلجأ في النهاية إلى معقبي المعاملات، الذين استطاعوا بعلاقاتهم العنكبوتية داخل هذه الدوائر أن ينجزا ما يعجز عنه الوزراء في وزاراتهم والسر في ذلك معروف. معقبوا المعاملات نسو أو تناسوا بقصد أو دونه اليمين الذي حلفوه أمام القاضي حتى يسمح لهم بممارسة هذه المهنة، وأصبحوا مع الموظفين و(الزمن) ضدّ أي مراجع لإحدى دوائر الحكومة الموقرة وكأنه عدوٌ يجب الاقتصاص منه.
محتال وبأوراق رسمية
ثمانية عشر عاماًً قضتها (ثريا) مع والديها متنقلة بين أكثر من بلد حول العالم لتختار أن تكون بلدها سورية محطتها الأخيرة، وفي أول محاولة للاحتكاك بالواقع وذلك لتصديق شهاداتها العلمية من وزارة الخارجية السورية، تلقفها العشرات من معقبي المعاملات عارضين لها عضلاتهم وبطولاتهم في إنجاز المعاملة في أسرع وقت وأقل كلفة، وبعد شجار فيما بينهم على هذه الغنيمة، استطاع أحدهم انتزاع الأوراق من يديها ليباشر في إنجازها بلمح البصر ويطالب بأجرٍ تجاوز الـ14 ألف ليرة سورية علماً أنّ التكلفة الحقيقيّة للمعاملة 1500 ل.س. هذه الحادثة وحوادث أخرى أثبتت أنّ معقبي المعاملات ليسو إلا حفنة من قناصي الفرص، ينتظرون كل محتاج أو عاجز أو حتى مغترب لينقضوا عليه ويفرغوا جيوبه أمام عينيه دون أن يأتي بحركة فالقانون لا يحمي المغفلين ومعقب المعاملات يحمل هوية تثبت شخصيته ومهنته.أما هؤلاء فلا يجدون حرجاً من هذه الأعمال ويعتبرونها شطارة ويلقون باللوم على الحكومة التي تركتهم كما يقولون دون وظائف يصارعون الحياة بحثاً عن قوت أبنائهم حيث يقول معقب المعاملات أبو فراس: (الدولة لا تؤمن لنا عملاً آخر نقتات منه فهل نموت من الجوع).
وبعيداً عن القصص اليومية لا تزال القصة المشهورة التي حدثت في وزارة النقل تثير الكثير من التساؤلات عندما منع وزير النقل في العام 2004 معقبي المعاملات من العمل داخل الوزارة والمديريات التابعة لها الأمر الذي أثار حفيظة ممارسي هذه المهنة ليعلنوا بعدها التمرد ومقاضاة الحكومة ليثبتوا أنه من حقهم العمل أينما شاؤوا، وبالفعل كسبوا القضية المرفوعة أمام المحكمة وأصبحوا (محتالين بالقانون).
ويبرر أبو فراس وقوفه بوجه هذا القانون بأنّ الحياة صعبة ولا بد من العمل بأساليب ملتوية للتمكن من مواجهتها: (العمل متعب وكل ما نأخذه لا يسد أفواه أطفالنا المفتوحة في ظل هذه الزيادة الرهيبة والمخيفة في الأسعار، بهذه القوانين هم يدفعونا إلى السرقة و(لن نسمح بالمساس بلقمة أبنائنا).
قانون ولكن..
القانون 119 الذي سمح للبعض بمزاولة مهنة معقب المعاملات أو مهنة كاتب العرائض مضى على صدوره أكثر من 58 عاماًً وقد جعل لهذه المهنة أسس انتساب للنقابة وذلك بموجب القانون المذكور وأصبحت مهنة معقبي المعاملات حرفة بموجب المرسوم 250 الصادر عام 1969 حيث انضمت إلى التنظيم الحرفي حينها.
وما يزال هذا القانون يطبق حتى هذه اللحظة على الرغم من تغير كافة الظرف التي صاحبت إصداره، حتى إن المسؤولين عن هذه المهنة أصبحو يطالبون بتغيّيره، ويقول (شحادة عليا) نائب رئيس مجلس إدارة الجمعية الحرفية للمجازين بالأعمال العقارية والإدارية والمساحة بدمشق: (طالبنا بتعديل القانون الناظم لعمل معقبي المعاملات وتم في هذا الصدد تقديم مشروع قانون لتطوير العمل منذ عام 1990 لكنه نام في أدراج الحكومة حتى اليوم).وبعد السبات الذي طوى مشروع القانون الأول الذي تقدمت به الجمعية الحرفية تقدمت وزارة الصناعة منذ أكثر من عامين بمشروع قانون جديد ولكنه لم يصدر حتى الآن. ومن مطالب القانون الناظم رفع الشهادة العلمية من الإبتدائية إلى الثانوية كحد أدنى، كما نصّا على رفع سقف العقوبة وإعطاء مجلس إدارة الجمعيّة صلاحية الضابطة العدلية لملاحقة المخالفين وتنظيم الضبوط بحقهم ولكننّا كما يؤكد عليا: (حتى الآن نرجو الفرج).القانون القديم الذي أثار حفيظة وزارة الصناعة والجمعية الحرفية أثار حفيظة (صابر قبلان) رئيس اللجنة النقابية في مديرية المصالح العقارية الذي طالب بدوره بتغيير هذا القانون أو على الأقل تعديله حتى تصبح الشهادة الثانوية هي الحد الأدنى المطلوب من الشهادات العلمية. أما (أبو جهاد) وهو أحد معقبي المعاملات فيؤكد أنّ القضيّة لا تحتاج إلى قانون ينظم عملهم، ومع وجود كل قوانين الدنيا فلا يستطيع أحد ضبط أي إنسان كما يضبطه ضميره (يصفوننا بالنصابين، نعم هناك الكثير منهم ولكن ما هو ذنب البقيّة حتى يُنعَتو بهذه الصفة ؟ أصبح النصابون من أبناء هذه المهنة هم القاعدة والشرفاء منهم استثناء!!).
شركاء في الفساد
كل معقب معاملات كما يؤكد قبلان يملك داخل أي مديرية يعمل أمامها أحد أقاربه من الموظفين، كما أنّ أغلب الموظفين داخل الدوائر الرسمية باتوا متمرسين في الفساد ويملكون من أساليب الغش والاحتيال على القانون ما لا يملكه نصابون ومحتالون محترفون، وإضافة إلى النصب والاحتيال فقد احترف الكثير من معقبي المعاملات الإجرام وباتوا يشكلون خطراً على أنفسهم أولاً وعلى المراجعين والموظفين ثانياً يقول قبلان: (أعلمنا قيادة الشرطة وقسم العمارة أكثر من 100 مرة عن هؤلاء "الشئِّيعة" وبدورهم يتجاوبون لفترة أسبوع ثم تعود حليمة لعادتها القديمة، المطلوب وجود دورية بشكل دائم وفي هذه المديرية يتم دفع مبالغ مالية بمئات الألوف والملايين وما أكثر ضعاف النفوس، وكثيراً ما تحصل حوادث سرقة ونشل، يجب أن تتدخل قيادة الشرطة فوراً وبشكل فاعل وليس لمدة أسبوع فقط).
وفي محاولة للتخفيف من ضرر معقبي المعاملات كما يقول قبلان: (قامت المديرية العامة للمصالح العقارية بتنظيم المعاملات وطبع المطبوعات التي تنظم إجراء كافة المعاملات دون الاستعانة بمعقبي المعاملات وكتَّاب العرائض، غير أنّ هذه المطبوعات لقيت حرباً شرسة من أصحاب المكاتب ومعقبي المعاملات كونها تباع بسعر منخفض جداً بالمقارنة بالمطبوعات التي يبيعونها في مكاتبهم). يعمل معقبوا المعاملات حالياً داخل كافة دوائر الدولة الرسمية باستثناء الدوائر العدلية والمحاكم حاملين هوية حرفية تُبيِّن فيها أحقيتهم في ممارسة العمل ضمن كافة دوائر الدولة وفق القانون، ولابد من وجود الفاسدين إن كانوا منتسبين أو غير منتسبين ولكن كما يقول عليا: (نعاني بشكل صريح وواضح وفي كافة المحافظات بوجود عدد كبير من ممارسي المهنة دون ترخيص ويتم استقبالهم بكل حب وترحيب من موظفي الدوائر التي يعملون بقربها، وهؤلاء هم سبب الفساد المستشري والغش والنصب والاحتيال، ونحاول ملاحقتهم وكثيراً ما أوصلنا الحقوق إلى أصحابها).ويضيف: (حتى نتمكن من قمع هذه الحالة لا بد من تضافر جهود كل الجمعيات في المحافظات وبين مدراء المؤسسات العامة وموظفيها، الموضوع واضح لا تقبل أي معاملة إلا إذا كانت ممهورة بخاتم معقب المعاملات ويكون معقب المعاملات حاملاً لهويته الحرفية ويجب أن يكون واضعاً على صدره الشعار الممنوح له من الجمعية). يوجد في سورية 15ألف منتسب إلى الجمعية الحرفية للمجازين بالأعمال العقارية والإدارية والمساحة ويوجد في دمشق وحدها ما يقارب الـ 1700 منتسب من ضمنهم 20 امرأة، يقول قبلان: (إن عمل معقب المعاملات صحيح 100%)، لكن التنفيذ خطأ 100% كما يؤكد الجميع، فممارسو هذه المهنة أساؤوا إليها كثيراً حتى أوصلوها إلى شرك النصب والممارسات الخاطئة.
دي برس
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق